القائمة إغلاق

أطلق الفرامل كي تنطلق

 

ماذا يحدث إذا أنت شغلت سيارتك ودست على دواسة البنزين ولم تطلق الفرامل اليدوية؟ طبعا السيارة سوف لن تتقدم بالرغم من أن المحرك قوي وأنه يدور ، ولكن رغم ذلك العجلات لن تتحرك لأن الفرامل تمنعها، نحن نستعمل هذا المثال لنفسر كيف أن بعض الأشخاص لهم إمكانيات هائلة لتطوير ذواتهم وقدرات حقيقية، ولكن لا يستطيعون أن يتقدموا في حياتهم وفي مسارهم المهني، لأن بعض الفرامل الداخلية تمنعهم من التطور.

في البداية اسمحوا لي أن أسرد لكم قصة الشاب حميد البواب، الذي تعرفت عليه قبل 18 سنة عندما كلفتني شركتنا بالبحث عن مكتب جديد للكـراء. بفضل مجهوداته استطعنا أن نتم الصفقة واكترينا فعلا مكتبا في العمارة التي يحرسها .

كان شابا مهذبا، خدوما ومثقفا، يتكلم العربية الفصحى، يتكلم الفرنسية والألمانية أيضا، بالطبع ليس بإمكاني أن أحكم على مستواه في اللغة الألمانية، ولكن هناك إشارة ذات دلالة: لقد كان يقرأ كتبا باللغة الألمانية. حميد كان يعيش عيشة بسيطة في مجال محدود جدا وكانت حياته في اليوم  مقسمة بين مدخل العمار  خلال النهار، وغرفته الصغيرة في الطابق الحادي عشر خلال الليل.

بعد خمس سنوات، كان حميد ما يزال بوابا في تلك العمارة، يقرأ كل ما يمر قربه من كتب ومجلات، وكذلك المراسلات التي تأتي للقاطنين بها.

كان ولوعا بالمطالعة، ولذلك حتى نزلاء العمارة كانوا يهدون له بعض الكتب، وقد أصبح محللا سياسيا واقتصاديا!

كل الناس كانوا يندهشون لتعليقاته حول الأحداث،  ويعتقدون أن حميد يستحق ما هو أفضل من
مجرد بواب للعمارة، يستحق مكانة اجتماعية مشرفة، لكن مع ذلك لم يكن يبذل أي مجهود ليخرج من هذه الشرنقة، بل على العكس كان يشتكي من البلاد التي لا تمنح الفرص للشباب، كان يشتكي من رب العمارة الذي يستغل عماله، كان يشتكي من هذا الزمن الملعون من التاريخ.

بعد بضع سنوات، تركنا نحن تلك العمارة. وبعد سنوات أخرى، جاءت فرصة لأقوم أنا بزيارة لأحد الزبناء في نفس العمارة التي يحرسها حميد ووجدته في نفس المكان وكان تقريبا نفس الشخص، لقد ازدادت معارفه بفضل المطالعة، ولكنه ما يزال يلوم البلد ويلوم السياسيين ويلوم الأثرياء.

ما الذي يمنع صاحبنا حميد من تحسين وضعيته؟ لماذا لا يقوم بإظهار إمكانياته وقدراته؟ لماذا لم يقرر أن يأخذ زمام المبادرة ويبحث عن عمل جديد؟ ونحن نتحدث على هذا الجانب من حياة حميد، نعلم أن المشكلة ليست في قدراته ولا في كفاءاته لأنه شاب مثقف، يتكلم ثلاث لغات، له القدرة على خدمة الناس، له القدرة على إقامة علاقات مع الناس، هو أيضا مفاوض بارع، والدليل أن عددا من الصفقات، كراء وبيع المكاتب تمت بفضله، يمكننا أن نسرد هنا عدة شباب آخرين لهم إمكانيات هائلة للتطور ولهم كفاءات عالية وأخلاق جيدة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يوظفوها ويطوروا أنفسهم، عندهم محركات قوية ولكن لا يستطيعون استعمالها، لأن هناك،  بكل بساطة،  فرامل داخلية تحبسهم. سوف نحاول أن نفهم ما هي هذه الفرامل وكيف تمنعنا من الانطلاق؟

أول شيء هو عدم معرفة الذات، لقد تكلمنا في مقالة سابقة على أن معرفة الذات هو الكنز الحقيقي.

لنأخذ مثال الشاب حميد البواب، هو يجعل من عمله هوية له، فهو يعرف نفسه على أنه بواب بائس، لم يتح الفرصة لنفسه لينظر بداخله كي يكتشف نقط قوته. له عدة كفاءات، لكن يبدو أنه لا يدريها، ليس على وعي تام به: فبالإضافة لكونه يتكلم اللغات، له قدرات في التواصل مع الناس  وإقامة العلاقات، ولكن لا يدري أن هذه الكفاءات يمكن أن تحمله إلى ما هو أعلى مما فيه الآن، لا يثق بقدراته ولا يستطيع أن يقوم بأية محاولات في هذا الاتجاه.

الفرامل من النوع الثاني هي الخوف، الذي ارتبط دائما بالإنسان، بل هو طبيعة إنسانية؛ لكن البعض منا يجعلون من الخوف دافعا للحركة وللتقدم، والبعض الآخر يجعل منه سببا في الانكماش والتراجع.

للتغلب على الخوف، علينا أن نتحلى بتصرف إيجابي، أولا يجب علينا أن نعترف بكل المخاوف في داخلنا ونتقبلها، بعد ذلك يجب علينا أن نتعلم، أن نفكر بطريقة من النموذج التالي: أنا أخاف إذا علي أن أقوم بفعل.

في كل مرة أحس بخوف، أقول إن المخرج هو القيام بفعل ما وليس العكس، لا ينبغي أن أركن إلى خوفي وأبقى سلبيا ولا أقوم بأي رد.

المسألة الثانية، تقتضي أن نقوم بتحليل الأبعاد الحقيقية لمخاوفنا ونتساءل ونسأل أنفسنا هذه الأسئلة: ماذا يحصل لو أنني حاولت كذا، وإذا مشيت في طريق كذا؟ ما هي أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تقع لي  مثلا إذا لم أتصرف، إذا لم أتحرك، إذا لم أكن جسورا في أية مبادرة؟ كيف يمكنني أن أخرج من هنا؟عند الإجابة عن هذه الأسئلة ومثلها، سوف نرى أننا في معظم الأحيان نبالغ في مخاوفنا، بل نبالغ في تبعات هذه المخاوف والتي تكون في بعض الأحيان جزئية وأصغر بكثير مما تخيلناه. عندما نجيب مثلا عن السؤال: ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحصل لي؟ سوف نقوم بتقييم موضوعي للبعد الحقيقي لقرارنا، أو لم نحن بصدد الإقدام عليه؟ وسوف نرى بكل موضوعية المخاطر، وربما ندرك أنها مخاطر صغيرة ولا تستدعي كل هذا الخوف.

النوع الثالث من الفرامل، وهو أن نعتقد أن الأمور قد حسمت، عديد من الناس يفكرون بهذه الطريقة، يقولون  الأمور محسومة منذ البداية وليس هناك داع للمحاولة، بالنسبة لهؤلاء، المشاهير أو المحظوظون هم الذين ينجحون.  أبناء العائلات الثرية وضعوا أيديهم على كل شيء. المحظوظون فقط هم الذين يتحينون الفرص. وطبعا ليثبتوا هذا، يقومون بسرد عدة أمثلة ونماذج من هؤلاء الناس ليدعموا هذه النظرية. طبعا إذا فكرنا بطريقة معاكسة تماما، يمكننا أيضا أن نسرد نماذج عديدة للأشخاص الذين قاموا بمبادرة ووثقوا في حظوظهم وظلوا واثقين وجسروا واشتغلوا واستفادوا من إمكانياتهم وكفاءاتهم وتطوروا واستطاعوا أن يصعدوا السلالم.

النوع الرابع من الفرامل، هو التعميم. آفة التعميم هي أن تأخذ حكما معينا وتطبقه على كل الفئة، مثلا أن تقول:  المغاربة لا يمكن أن يكونوا جيدين في القفز العلوي، إذا كان لحد الآن لم يقم أي عداء مغربي بكسب أية ميدالية في القفز العلوي، لا يعني أن الخطأ موجود في فئة المغاربة، لو أن العدائين يفكرون بهذه الطريقة سوف لن يفكروا البتة في اقتحام هذه المسابقة، أو على العكس إذا كان هناك نادي قرر أن يخوض هذه المسابقة، أن يجرب كل حظوظه في هذه المسابقة ويشتغل عليها، سوف يقوم بجمع كل شروط النجاح، وربما قد يخرج عداء شاب من هذا النادي، ويحلم بأن يكون بطلا في هذه المسابقة، ويشتغل ويتدرب وقد يؤدي ذلك إلى كسبه ميدالية.

الناس يتشابهون ولهم نفس الحظوظ مبدئيا، لنا نفس الدماغ ولنا نفس الدم الذي يجري في العروق، إذا ليس هناك سبب حتى تكون فئة أو جماعة تحس بأنها أقل من الأخرى. مبدئيا إذا تمكن أحدهم من النجاح والإنجاز في مجال ما، فإن كل البشر بإمكانهم تحقيق نفس النجاح، لأنهم يمتلكون نفس القدرات.

النوع التالي من الفرامل، وهو النماذج السلبية، لقد رأينا كيف أن الشاب حميد البواب يلوم مشغله صاحب العمارة، ويتهمه باستغلال العمال، يلوم الطبقة السياسية ويلوم البلد ويلوم الحالة الاقتصادية، هذا النوع من التفكير يمنعه من أن ينظر بداخله هو وينظر ما هي قدراته، فبدل أن ينتقد مشغله، كان عليه أن يلتفت إلى مؤهلاته ويطورها ويقدم نفسه للقيام بخدمات، فهو مثلا يتقن اللغات، كان بإمكانه أن يكون كاتبا أو أن يقوم بعملية الترجمة، كان بإمكانه أن يكون وسيطا عقاريا، لأن لديه التجربة في هذا المجال، كان بإمكانه، وبفضل العلاقات التي ربطها مع نزلاء العمارة، أن يقدم لهم خدمات معينة، وقد كان بإمكانه أن ينتقل نحو عمل آخر.

لقد سردنا هنا خمسة أنواع من الفرامل التي تمنع من الناس ذوي المؤهلات من التطور.

طبعا، هناك بعض العوامل الأقل أهمية التي يمكن أن تعيق انطلاقتنا، وننصحكم بأن تكونوا على وعي تام بها، سواء من خلال النظر إلى أنفسكم أو بمساعدة شخص ثان لإطلاق هذه الفرامل، لأن في الواقع وفي غالب الأمر، تمتلكون المؤهلات، والكفاءات هي بداخلكم، ولكن يجب أن تحرروها وأن تجعلوها تتفاعل .اشتغلوا على معرفتكم بذاتكم لتعرفوا ما هي نقط قوتكم، وما هي مؤهلاتكم، فهذا سوف يدعم ثقتكم  بأنفسكم. تقبلوا مخاوفكم،وقوموا بتحليل موضوعي لها، حاولوا أن تنظروا إليها بشكل موضوعي وأن تحسبوا ما هي المخاطر الحقيقة التي غالبا ما تكون صغيرة. لا تعتقدوا أن الأمور قد حسمت، وقوموا بمحاولاتكم، جربوا كل حظوظكم، بادروا، قوموا بالخطوة الأولى، فكروا في كل هؤلاء النماذج الذين كانت لهم الشجاعة للتقدم إلى الأمام وللحصول على ما يريدون.

لا تتبعوا هذه الأفكار التي تعمم وتضعف إرادتكم، كونوا من فئة الفائزين الذين يقومون بالمخاطرة من أجل الكسب، فكروا بإيجابية تجاه الآخرين. لا تربطوا مصيركم بأي شخص آخر، إذا كان الآخرون سلبيين أو إيجابيين، هذا لا يجب أن يؤثر عليكم.

دعوا الأفكار السلبية جانبا وتقدموا.

 

اترك تعليقاً