مقدمة: “البايلا” وأصلها التاريخي المثير
سأحدثكم اليوم عن “البايلا” أو كما ينطقها الإسبان: “بايييا” (Paella). هذه الأكلة الشعبية الإسبانية ذائعة الصيت التي غزت موائد العالم، أصلها في الحقيقة… عربي! وكلمة “البييية” ما هي إلا نطق أعجمي محرف للكلمة العربية “بقية”. وهذا يعني ببساطة أن هذه الوجبة الشهية والمشهورة كانت في الأصل تُحضّر وتُجمع مما تبقى من بقايا الطعام!
وجبات سياسية “بايتة” على طريقة البايلا
الجميل والمثير للدهشة في هذا التناص البلاغي، هو أن ما يحدث عندنا في المشهد السياسي الحديث يشبه إلى حد بعيد وجبة “البايلا”. لأن ما يُقدم لنا في الكثير من الأحيان هو ببساطة “بقية” من السياسة. لقد جمعنا في هذا القدر ما تبقى من أفكار الحركة الوطنية، مع ما تبقى من شعارات اليسار، وما تبقى من مشاريع الإسلاميين. ثم وضعنا هذا الخليط الهجين على نار هادئة لنطبخه مع ما تبقى من الديمقراطية الهشة والممارسة السياسية المحدودة!
مطبخ السياسة والمصطلحات الدارجة
ليست هذه هي المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تُستعار فيها مفردات الطبخ للدلالة على دهاليز السياسة وتقلباتها.
- ففي الثمانينات، كان حزب الاتحاد الاشتراكي يتحدث بصوت عالٍ عن “مطبخ السياسة”، وعن ما يسمى “حزب الكوكوط” (طنجرة الضغط).
- وقتها، أخذت وزارة الداخلية صفة “المطبخ”، وأُعطيت الزوجة (ربة البيت التي تطبخ الطعام) لقب “الداخلية”، في أغرب اتفاقية عفوية لتبادل التشبيهات والاستعارات بين المجتمع والسياسة.
- وعقب ذلك، وخلال فترة الربيع العربي، استخدم الزعماء السياسيون نفس المعجم، حيث صرح عبد الإله بنكيران في مقولته الشهيرة إن “طاجين التغيير في المغرب ينضج على نار هادئة”.
حينما يختلط الفساد بموائد السياسة
في لغتنا اليومية، كلما استفحلت وتشابكت أطراف مشكلة سياسية خانقة، ننادي بمرارة قائلين: “حريرة هذي!” تعبيراً عن اختلاط الحابل بالنابل. بل إن الحملات الانتخابية ذاتها تُمد فيها الموائد وتُعقد لها الولائم الضخمة. وحتى إذا ما أصاب سياسي أو مسؤول نصيباً من بركة الفساد والمال العام، نقول في قاموسنا الشعبي العفوي إنه “واكل” (آكل)، وفي حالات التستر والتدخل المستتر في الصفقات نقول “مُغَمِّس”.
ذلك لأن الفساد والريع في العُرف العام صار يُطلق عليه مصطلح “الكاميلة” أو القدْر الدسم. والمرتشون ومنتفعو الأزمات نطلق عليهم لقب “المْرَايْقِيَّة”. وكما قال شيخ المجاهدين، عمر المختار: “نحن أمة لا تنكسر، ننتصر أو نموت!”، يبدو أننا أسقطنا هذا الشعار وحورناه لواقعنا المادي البائس ليصبح: “نحن أمة لا تنكسر، نأكل أو نموت!”.
خلاصة: هل فقدنا الرغبة في التذوق؟
لقد وصل بنا الأمر في بعض العلاقات الدبلوماسية إلى أن التطبيع ابتدأناه بإنتاج وتجارة التمور، ووصلنا فيه لاحقاً إلى حد تقديم الكسكس! لقد خلقنا الله عز وجل على أن نعقل ونتدبر ونبصر ونفقه بقلوبنا وعقولنا، لكننا انحرفنا عن الفطرة السليمة والمقاصد الكبرى، فأصبح لسان حالنا ومآلنا يقول: “أو ليس لنا بطون نفقه بها؟ أو ليس لنا بطون وحاجيات استهلاكية نسوس بها أمورنا؟”
الشيء الأكيد اليوم هو أنه حتى بطوننا التواقة دائماً للأكل، لم تعد تستطيع أو تستصيغ هضم هذه الوجبات السياسية “البايتة”، التي فقدت نكهتها ومكوناتها الطازجة، تماماً كما تفقد الأمم بوصلتها عندما تكتفي ببقايا الأفكار والمبادئ البائتة.
بقلم: حمو جديوي